قصة الرجل الذي خشي الله وأوصى أبناءه بحرقه فغفر له

الأمم السابقة في السنة قراءة 4 دقائق

حدّث النبي ﷺ عن رجل ممن كان قبلنا خشي لقاء الله، فأوصى بنيه وصية عجيبة قبل موته. والقصة ثابتة في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وفيها كيف أدركت رحمةُ الله عبدًا غلبه الخوف منه.

1

موضع القصة

هذه القصة من السنة النبوية وليست في القرآن الكريم، ورواها عدد من الصحابة. فقد رواها أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري 3481 وصحيح مسلم 2756a، ورواها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في صحيح البخاري 3478، ورواها حذيفة رضي الله عنه في صحيح البخاري 6480.

وألفاظ الروايات ليست واحدة، وفي بعض تفاصيلها اختلاف سيأتي بيانه، لكنها متفقة على أصل الخبر وعلى جواب الرجل لربه.

2

وصية الرجل قبل موته

قال النبي ﷺ إنه رجل كان فيمن قبلنا. وفي إحدى الروايات أنه كان يسرف على نفسه، أي أكثر من المعاصي (صحيح البخاري 3481). وفي أخرى أن الله آتاه مالًا، فلما حضره الموت سأل أبناءه: أيَّ أب كنت لكم؟ قالوا: خيرَ أب، فقال إنه لم يعمل خيرًا قط (صحيح البخاري 3478). وفي ثالثة أنه كان يسيء الظن بعمله (صحيح البخاري 6480).

ثم أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويسحقوا جسده ثم يذروه (وفي رواية البخاري 6480 ذكر التذرية فقط). وتختلف الروايات في المكان: ففي إحداها في الريح، وفي أخرى في يوم عاصف، وفي أخرى في البحر في يوم حارّ، وفي أخرى نصفه في البرّ ونصفه في البحر. وفي رواية البخاري 3481 قال إنه إن قدر عليه ربه عذّبه عذابًا لم يعذبه أحدًا.

ففعل أهله ما أوصاهم به.

3

الله يجمعه

فجمعه الله. ففي رواية البخاري 3481 أمر الأرض أن تجمع ما فيها منه، فإذا هو قائم. وفي رواية مسلم 2756a أمر البرّ والبحر أن يجمعا ما فيهما.

ثم سأله الله عما حمله على ما صنع، فقال إنه خوفُه من الله. وفي رواية مسلم 2756a زاد: «وأنت أعلم». فغفر الله له، وفي رواية البخاري 3478 أن الله تلقّاه برحمته.

4

ما لا تذكره الروايات

لا يذكر الحديث اسم الرجل ولا قومه ولا زمانه ولا مكانه، بل يقول فقط إنه ممن كان قبلنا. ولا يذكر ذنوبه ولا عدد أبنائه.

وليس في الحديث أن هذا الفعل مما يُقتدى به، فهو خبر عما فعل الله بعبد من عباده، وليس تشريعًا لأحد.

5

كلام أهل العلم

تكلّم العلماء في قول الرجل، لأنه يوهم الشك في قدرة الله على بعثه بعد أن تُذرّى أجزاؤه. وذكروا توجيهات عدة لا تتفق كلها.

  • فقال بعضهم إن «قدر» هنا قد تأتي بمعنى «ضيّق»، أي إن حاسبه ربه حسابًا شديدًا، فكان يخاف شدة الحساب ولا ينكر قدرة الله.
  • وقال بعضهم إنه قال ذلك وهو مغلوب من شدة الخوف لا يملك ضبط لسانه، فعُذر.
  • وقال كثيرون إنه جهل سعة قدرة الله، لكنه لم يكن منكرًا لله؛ فقد كان مؤمنًا بربه خائفًا منه، وهذا الذي دلّ عليه الحديث، ولأجله غفر الله له.

وينبّه العلماء كذلك إلى أن الحديث ليس مدخلًا للحكم على الناس. فالله وحده يعلم حال كل أحد، ويُقرأ الحديث مع سائر نصوص القرآن والسنة، ولا يُتخذ للحكم على أحد.

العبر من هذه القصة

  • الخوف من الله قد يقود العبد إلى رحمته؛ فقد كان جواب الرجل خوفَه من ربه، فغفر الله له.
  • قدرة الله تامة؛ يجمع ما تفرّق في البرّ والبحر، ولا يعجزه شيء.
  • لا تيأس من رحمة الله ولا تستهن بالذنوب؛ فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء.
  • على المؤمن أن يسأل الله المغفرة وتصحيح الفهم، ولا يعتمد على تخمينه في أمر ربه.
  • نترك الحكم النهائي على الناس لله، ونتجنب الجزم بحال أحد.

المصادر

معلومات عامة للتعلّم وليست فتوى. لحالتك الخاصة، اسأل عالمًا مؤهلًا.

حُدّثت في 6 أكتوبر 2026

أسئلة شائعة

لماذا أوصى الرجل أبناءه بحرق جسده؟

كان يخاف أن يعذبه الله عذابًا شديدًا على أعماله، وكأنه ظنّ أنه ينجو إذا تفرّقت أجزاؤه. فجمعه الله وسأله عما حمله على ذلك، فقال إنه خوفه من الله، فغفر الله له.

هل كان الرجل منكرًا لقدرة الله؟

ذكر العلماء توجيهات عدة: فقيل إنه أراد التضييق في الحساب، وقيل غلبه الخوف فاضطرب كلامه، وقال كثيرون إنه جهل سعة قدرة الله مع إيمانه بالله وخشيته منه. ولم يصفه الحديث بالكفر، ولا يجوز لنا أن نحكم على أحد.

في أي كتب الحديث وردت هذه القصة؟

وردت في صحيح البخاري 3481 و3478 و6480، وفي صحيح مسلم 2756a. وتختلف التفاصيل قليلًا، لكنها تتفق على الوصية والجمع والسؤال والمغفرة.